الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
89
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مستقيم وفي الآية ( 93 ) من سورة النحل : ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء . وأمثال هذه الآيات - الخاصة بالهداية أو الضلال أو أحدهما - ورد في آيات كثيرة من القرآن المجيد ( 1 ) . وأكثر من هذا ، فقد جاء في بعض الآيات نفي قدرة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الهداية وتحديد القدرة على الهداية بالله سبحانه وتعالى ، كما ورد في الآية ( 56 ) من سورة القصص : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . وفي الآية ( 272 ) من سورة البقرة : ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء . الدراسة السطحية لهذه الآيات وعدم إدراك معانيها العميقة أدى إلى زيغ البعض خلال تفسيرهم لها وانحرافهم عن طريق الهداية ووقوعهم في فخاخ المذهب الجبري ، حتى أن بعض المفسرين المعروفين لم ينجوا من هذا الخطأ الكبير ، حيث اعتبروا الضلالة والهداية وفي كل مراحلها أمرا جبريا ، والأدهى من ذلك أنهم أنكروا أصل العدالة كي لا ينتقض رأيهم ، لأن هناك تناقضا واضحا بين عقيدتهم وبين مسألة العدالة والحكمة الإلهية ، فإذا كنا أساسا نقول بالجبر ، فلا يبقى هناك داع للتكليف والمسؤولية وإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية . أما المعتقدون بمذهب الاختيار وأن الإنسان مخير في هذه الدنيا - وأن العقل السليم لا يقبل مطلقا بأن الله سبحانه وتعالى يجبر مجموعة من الناس على سلوك سبيل الضلال ثم يعاقبهم على عملهم ذلك ، أو أنه يهدي مجموعة أخرى إجباريا ثم يمنحها - من دون أي سبب - المكافأة والثواب ، ويفضلها على الآخرين لأدائها عملا كانت قد أجبرت على القيام به - فهؤلاء انتخبوا لأنفسهم تفاسير أخرى لهذه الآيات ، كان أهمها :
--> 1 - ومنها ما ورد في السور والآيات التالية ( فاطر - 8 ) و ( الزمر - 23 ) و ( المدثر - 31 ) و ( البقرة - 272 ) و ( الأنعام - 88 ) و ( يونس - 25 ) و ( الرعد - 27 ) و ( إبراهيم - 4 ) .